الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
15
انوار الأصول
المحقّ ؟ قال : بلى ، قال : فتعال حتّى أدّعي أنا وأنت شيئاً ثمّ نساهم عليه وننظر هكذا هو ؟ فقال له زرارة : إنّما جاء الحديث بأنّه ليس من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللَّه ثمّ اقترعوا إلّا خرج سهم المحقّ ، فأمّا على التجارب ، فلم يوضع على التجارب ، فقال الطيار : أرأيت إن كانا جميعاً مدّعيين ادّعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم أحدهما ؟ فقال زرارة : إذا كان كذلك جعل معه بينهم مبيح فإن كان ادّعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح » « 1 » . فإنّها واضحة الدلالة على كون القرعة أمارة على الواقع . أضف إلى ذلك ما ورد في الكتاب الكريم في قصّة يونس : « وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ » « 2 » . فإنّ هذه الآية أيضاً تدلّ على أنّه يمكن جعل أحد طرفي الشكّ الذي وافقته الأمارة أمارة على الواقع . بل يدلّ عليه ما ورد في باب الاستخارات حيث إنّها في الواقع نوع من القرعة وأمارة على الواقع ، ولم توضع لمجرّد رفع التحيّر في مقام العمل فحسب . فظهر أنّ كون الشكّ بمنزلة الظلمات إنّما هو بالنسبة إلى أنظارنا ، وأمّا عند الشارع العالم بالشهادة والغيب فقد يكون لأحد الطرفين ( وهو الطرف الذي توافقه القرعة ) نور وضياء ، فيجعله أمارة وطريقاً إلى الواقع . هذا كلّه هي الأمور الخمسة التي ينبغي ذكرها قبل الورود في أصل البحث عن مسائل الأصول الأربعة ، ونشرع الآن بحول اللَّه تعالى في أصالة البراءة في الشبهات التحريميّة الحكميّة ( كالشكّ في حرمة العصير العنبي إذا غلى ، أو الشكّ في حرمة بعض أجزاء الذبيحة أو حرمة التدخين ) . ونستمدّ منه التوفيق والهداية .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : الباب 13 ، من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ، ح 4 . ( 2 ) سورة الصافات : الآية 139 - 141 .